تميل أدبيات الانتقال الديمقراطي التقليدية إلى تقديم وصفة لعملية الانتقال تركز على جوانب إجرائية مثل نزاهة الانتخابات، وتعددية القوى السياسية المتنافسة على السلطة، وتوفر نظام للعدالة الانتقالية، وغيرها من الأمور. ورغم أن الانتقادات تكاثرت في العقود الأخيرة لهذا المدخل "الشومبيتري" للمسألة (نسبة إلى الاقتصادي وعالم السياسية النمساوي جوزيف شومبيتر) –إلى حد أن كثير من الدارسين اعتبروا اتخاذ نزاهة الانتخابات كمعيار للمقرطة مغالطة منطقية– إلا أن إهمال الأبعاد الجوهرية (substantive) للصراع الاجتماعي والسياسي المرتبط بانهيار الأنظمة السلطوية ظل سمة أساسية لكتابات الانتقال الديمقراطي.

يتعقد الأمر أكثر عندما يتأسس الانتقال الديمقراطي على ثورة، كما هو الحال في مصر. فالثورة بطبيعتها تفتح مسام كل القوى الاجتماعية لتستنشق هواءً جديدًا، ولن أقول نقيًا، مما يضع ’المستضعفين في الأرض‘ في موضع صناع التاريخ بعد أن ظلوا لعقود طوال موضوعًا له. وهو ما يتحدى عمليا نظريات الهندسة السياسية من أعلى وما تقترن به من خرائط طريق مقترحة لإجراءات الانتقال، مهما كانت تلك الأخيرة متقنة شكليا ومدروسة منطقيا.

ربما يكون الدكتور محمد البرادعي، على سبيل المثال، مقتنعًا تمامًا بأن "الخطيئة الأصلية" تكمن في عدم اتباع نصيحته المتمثلة في شعار "الدستور أولًا" كمفتاح لخريطة طريق للانتقال الديمقراطي الآمن والسلس. لكن الحقيقة التي أظن أن المتابع المدقق للثورة المصرية سيقرها هي أنه أيا ما كان ترتيب الإجراءات الانتقالية، لم يكن ممكنا بأي حال من الأحوال تجنب الصراع الضاري بين قوى طبقية وسياسية أطلقتها الثورة من عقالها بعد انهيار السلطوية القديمة، ومن ثم فإنه من العبث حصر أفق الفكر في سلامة الإجراءات دون البحث في طبيعة الصراع الجوهري الدائر وكيفية تحقيق النصر فيه للقوى الديمقراطية.

(1)

حسنا، فما هي طبيعة الصراع الدائر في مصر؟ وإلى أين وصل الآن؟

ربما يمكن القول –باختزال قد يكون له بعض الفائدة– إن الصراع الدائر الآن هو بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة. لكن هذا يستدعي السؤال: وما هي إذن "قوى الثورة" و"قوى الثورة المضادة"؟

أظن أن التعريفات الجامدة والمسبقة لهذين المصطلحين لن تفيدنا كثيرا. فالتحديد الأدق لقوى الثورة والثورة المضادة لابد أن يتأسس على قراءة تاريخية لتحولات مواقف وولاءات القوى المتصارعة انطلاقًا من المصالح الاجتماعية التي تمثلها، وكذلك من طبيعة الإرث السياسي الذي راكمته على مدار عمرها الطويل أو القصير.

فائدة القراءة التاريخية –على عكس القراءات السكونية– لمسارات الثورة واصطفاف قواها هي أنها لا تضع الأطراف المعنية في خانات محددة مسبقًا، وإنما تشرح كيفية تحول/انكشاف مواقعها مع تطور وتعمّق صراع ضار بين فاعلين أصحاب مصالح. لا نحتاج هنا، مثلًا، أن نكيل الاتهامات لجماعة الإخوان المسلمين بوصفها متآمرة منذ اللحظة الأولى على الثورة. لا نحتاج كذلك إلى وصف محمد البرادعي أو حمدين صباحي بالثوريين الأنقياء الذين لم يهتز ولاؤهم للثورة على مدار عامين كاملين. فالكل انخرط في عملية وضعته، كلما تعمقّت، في تحدي تغييرات هيكلية متزايدة تماست مع مصالحه أو تعارضت معها، ومن ثم ساهم فيها أو تذبذب إزاءها أو تصادم معها.

(2)

العملية الثورية، خاصة في تجلياتها الأكثر عمقًا كما في الحالة المصرية، تتضمن جانبين. الجانب الأول هو انطلاق حركة القوى الاجتماعية الخاضعة المكبوتة من أسفل من عقالها. فكعيد للمقهورين، تمثل الثورة –كما أشرنا قبل قليل– تعميدًا جديدًا للطبقات الخاضعة كفاعل تاريخي. ليس معنى هذا بالضرورة اكتمال وعي تلك الطبقات الثورية أو انتظامها السلس في جماعات قادرة على الحشد والتعبئة. وإنما ما يحدث بالتأكيد هو نهاية عهد تاريخي يحتكر الفعل فيه نخبة سياسية وطبقية تقرر، في الغرف المغلقة، كيف وإلى أين يسير المجتمع، ليبدأ عصر آخر تلعب فيه اندفاعات الجماهير ونضالاتها الجماعية دورًا مركزيًا في صياغة الحاضر والمستقبل.

لكن هذا ليس كل ما في الأمر. فالثورة تتضمن كذلك تغييرًا جوهريًا على جانب السلطة الحاكمة. إذ تتعطل، أو تعطب، أو تنهار كلية، آليات السيطرة السياسية-الطبقية التي أتقنتها القوى المسيطرة على مدار عقود طوال. والحقيقة أن هذا العطب هو كاشف أكثر منه منشئ. بمعنى آخر: تمثل الثورة نقطة الانفجار الأخيرة لمؤسسات كان قد تجاوزها الزمن منذ أمد بعيد، تمامًا كعصا سليمان التي أكلتها الأرضة، فانهارت وكشفت عن موته قبل سنوات طوال.

وفي سياق هذا التحول النوعي المزدوج –تحرير فاعلية المقهورين وانهيار آليات تسلط القاهرين– يتواصل الصراع الاجتماعي والسياسي، الذي كان مكتومًا، على أرضية جديدة. هنا لا تتحدد المواقف بشكل جامد أو نهائي. فإلى جانب التردد وعدم الخبرة اللذان تنطوي عليهما بالضرورة مفاجأة الثورة، هناك عشرات الموائمات والانعطافات التي تفرضها الظروف المتغيرة يوما بعد يوم على الفاعلين.

وفي المجمل فإن ما يظهر بوضوح بمرور الوقت، وعبر ضباب التحول الكبير، هو أن هناك من يسعى إلى استمرار الثورة وتعميقها لتأخذ أبعادًا جديدة تهدم كل الأبنية السياسية، ثم الاجتماعية والاقتصادية، القديمة، وهناك من يسعى إلى كبح الثورة وهزيمتها بألف طريق وطريق، لعل أهمها توظيف الديمقراطية الإجرائية كوسيلة، مناسبة في ظرف انهيار آليات التسلط القديمة، لشلّ حركة الشارع وتوجيه الطاقة ناحية التنافس الفوقي بين قوى مسيطرة تنتمي في أغلبها إلى عالم المصالح القديمة. وهذا ما يفسر إصرار قوى كبح الثورة المصرية المختلفة والمتنافسة، جميعًا، على أن العالم المثالي الذي يتمنونه هو ذلك الذي يتوقف المواطنون فيه عن استخدام أدوات النضال الجماعي من أسفل –الإضراب، التظاهر، الفعل المباشر المتمثل في قطع الطرق واحتلال المؤسسات– ويبدأون في التعبير عن أنفسهم فقط من خلال صندوق الاقتراع السحري.

(3)

في الأيام الأولى التي تلت تنحي الرئيس المخلوع، اتفق المجلس الأعلى للقوات المسلحة –ممثل الأجهزة القمعية للدولة القديمة الذي نجا من العاصفة الثورية في مرحلتها الأولى– مع كل من جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، بشكل أدهش الجميع في سرعته وسلاسته الظاهرة، على الهرولة ناحية تعديلات دستورية محدودة –جوهرها يتعلق بترتيبات انتخاب سلطة جديدة وكتابة دستور جديد– تمهد الطريق لانهاء "المرحلة الانتقالية" في غضون ستة أشهر. جوهر الأمر، كما ظهر جليًا فيما بعد، لم يكن الاتفاق على إنهاء المرحلة الانتقالية، بل التواطؤ على تصفية العملية الثورية. فما كان يهم الطرفين ليس تسليم السلطة إلى الشعب بقدر ما كان إنهاء بعبع الزخم الثوري في الشوارع، كما ظهر جليًا من رطان "عجلة الإنتاج التي لابد أن تدور و"الثوري الحق" الذي "لابد أن يهدأ".

إذن، فما اتفق عليه هؤلاء "الإخوة الأعداء" كان معارضة الثورة من أسفل بالديمقراطية الإجرائية من أعلى: تحويل الجماهير المنتفضة بشكل جماعي إلى ذرات (مواطنين/ناخبين) تتحقق إرادتها فقط عبر وسيط الصندوق لتتجسد في صورة مجالس منتخبة تسيطر عليها قوى نافذة بسلطة المال والتنظيم والأيديولوجيا المهيمنة.

المسألة لم تكن أن هناك تعارضًا جوهريًا، بالضرورة وفي كل الأحوال، بين حيوية الحركة من أسفل من ناحية وديمقراطية الصندوق من ناحية أخرى، بل أن الصندوق، في تلك اللحظة الثورية بالتحديد، كان يُطرح كخيار آخر –بديل/معارض– للانتفاض الثوري الذي رأى كل من الإخوان والمجلس العسكري أن دوره انتهى مساء يوم الحادي عشر من شباط/فبراير 2011.

وهكذا جرى استفتاء 19 آذار/مارس 2011 متخذًا شكل "العرس الديمقراطي" الذي ظن تحالف السلطويين أنه سينهي، مرة وإلى الأبد، كل الخلخلة من أسفل، وسيستعيد للدولة، هكذا بكل ببساطة، هيبتها ودورها المسلوب.

لكن المفاجأة كانت أن الزخم الثوري بدا أعمق من أن يحتويه استفتاء أعطى شرعية تصويتية للتحالف السلطوي. ومن ثم رأينا خلال 2011 موجة غير مسبوقة من الإضرابات العمالية، وسلسلة من المليونيات المطالبة بالقصاص ومحاكمة مبارك وغيرها من المطالب، ثم رأينا اعتصام تموز/يوليو الشهير بالتحرير، ورأينا أخيرا أحداث محمد محمود التي رفعت عاليًا شعار نقل السلطة من المجلس العسكري إلى سلطة مدنية منتخبة.

(4)

أحداث محمد محمود لها أهميتها الخاصة هنا، ليس فقط لأنها كشفت –مجددًا– عن حيوية حركة الشارع الثوري، ولكن –وهو الأمر المساوي في أهميته لما سبق– لأنها نزعت القناع عن الطبيعة الهشة للتحالف السلطوي الجديد بين الإخوان المسلمين والسلفيين والطغمة العسكرية المباركية.

قلنا إن موضوع الاتفاق بين عناصر التحالف السلطوي كان إنهاء العملية الثورية من أسفل وتدشين مسار سياسي-انتخابي يسحب البساط من تحت أرجل القوى الاجتماعية-السياسية الماضية قدمًا في تحطيم كل أشكال التراتبية القديمة المتخللة لكل مسام المجتمع. لكن اتفاق القوى السلطوية –داخل هذا التحالف وخارجه– على استيعاب العملية الثورية ومواجهة الحركة من أسفل لم يمثل إلا وجهًا واحدًا من أوجه الصراع الدائر في عصر ما بعد سقوط سلطة مبارك. الوجه الآخر، المتناقض والمكمل، كان استعار الصراع بين القوى السلطوية وبعضها البعض على توزيع حصص السلطة فيما بينها.

كان الجناح اليميني من القوى المدنية (رموز وقوى دخل كثير منها فيما بعد المجلس الاستشاري الذي شكله العسكر في أعقاب أحداث محمد محمود) قد اعترض على الترتيبات السلطوية التي أقرها تحالف العسكر والإخوان في شباط/فبراير- آذار/مارس 2011. لم يكن هذا نابعًا من حس ديمقراطي أصيل لدى هؤلاء بقدر ما كان نابعا من تذمرهم على استبعادهم من تلك الترتيبات وتخوفهم من أن تكشف الانتخابات المبكرة عن فقدانهم للقواعد الشعبية التي يمتلكها الإسلاميون والتي ستمكن هؤلاء الأخيرين من الاستحواذ على مفاصل السلطة في النظام الجديد المزمع.

وهكذا اختلطت المعارضة الديمقراطية الجذرية للتحالف السلطوي الإسلامي-العسكري بمعارضة يمينية، سلطوية هي الأخرى، وإن كان همها ومصدر تذمرها هو إقصاؤها من ترتيبات السلطة الجديدة. وقد اتبعت هذه المعارضة اليمينية مسارًا مزدوجا للضغط من أجل تحقيق مصالحها: فهي من ناحية شاركت، بحذر، في الحركة الجماهيرية المعارضة للتحالف السلطوي، ومن ناحية ثانية سعت بهمة، من خلال مداولات الغرف المغلقة، إلى ترتيب أوراقها مع المجلس العسكري بغرض إبقائه في السلطة أطول فترة ممكنة مع إعطائه موقعا متنفذا في ترتيبات السلطة الجديدة.

كانت وثيقة المبادئ الدستورية، الشهيرة بوثيقة السلمي، هي إحدى ثمرات هذه المحاولات من جانب اليمين المدني. أقرت وثيقة السلمي، بوقاحة لا متناهية، مبدأ "حاكمية العسكر"، أولًا كقوة غير خاضعة للرقابة والحساب، وثانيًا كحكم بين السلطات وحام للشرعية. لكنها كذلك، وكتأكيد على عدائها للديمقراطية، فرضت نظامًا لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور يضمن تقليص وزن الإسلاميين فيها، وذلك عبر تقرير عدد الأعضاء المختارين من مؤسسات الدولة والمجتمع التي لا ولاية للإخوان أو للسلفيين عليها، وذلك بالمخالفة للإعلان الدستوري في آذار/مارس 2011 الذي أقر الاختيار الحر لأعضاء التأسيسية من جانب أعضاء مجلس الشعب المنتخب.

وهكذا نظم الإسلاميون جمعة المطلب الواحد التي طالبت، من ضمن ما طالبت، بإسقاط وثيقة السلمي. ورغم المظهر الديمقراطي للمطالب التي رفعها الإخوان آنذاك –"فلندع الصندوق يقرر"– إلا أن جوهر الأمر كان صراعًا على السلطة، أو بالأحرى على تركيب السلطة المزمعة، بين الإسلاميين والعسكر والقوى المدنية، انحاز فيه الأخيرون إلى سلطوية مناهضة للصندوق مرت عبر رشوة العسكر، وطالب فيه الإسلاميون بالديمقراطية الانتخابية بقدر ما كانت تخدم مصالحهم الآنية.

وفي الأخير، سقطت وثيقة السلمي وتم تنظيم انتخابات مجلس الشعب على خلفية حمراء بلون دم شهداء شارع عيون الحرية الشهير بـ"محمد محمود". وبرغم فوز الإسلاميين بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي، إلا أن هذا لم يغير من الأمر شيئا، فقط ربما يكون قد أعطى ثقة لهؤلاء الأخيرين بصدد وزنهم الجماهيري مما أعطاهم الجرأة لمقارعة العسكر في موقعة الرئاسة التي حلت بعد أقل من ستة شهور.

(5)

إذن، فقد أظهرت معارضة وثيقة السلمي، ثم ما تلاها من أحداث، هشاشة التحالفات السلطوية القائمة التي ظن البعض أنها راسخة رسوخ الجبال. فمنذ ذلك الحين، وحتى أقصى مرسي رموز المجلس العسكري في آب/أغسطس 2012 بعد وصوله إلى السلطة، ظلت الفجوة بين الإخوان المسلمين والمجلس العسكري تتزايد. فقد كان كل طرف يعلم أنه ليس في مقدوره إقصاء الآخر، لكنه كان يعلم كذلك أن عليه أن يناور ويحارب من أجل توسيع رقعة نفوذه في ترتيبات المستقبل. وفي المقابل، سعت القوى المدنية اليمينية إلى تعظيم نفوذها عبر الآلية الأهم التي رأت أنها تملكها في ظل هشاشة وضعها الانتخابي: التودد إلى جهاز الدولة القديمة، وبالأخص المجلس العسكري.

كانت الانتخابات الرئاسية في منتصف 2012 جولة أخرى من جولات صراع القوى السلطوية. ظهر هذا بشكل فاقع في السقوط المدوي لمشروع المرشح التوافقي من أي شكل ونوع. فلم ينجح العسكر والإخوان في التوافق على مرشح واحد يجمعهما، ومن ثم أقدم الأخيرون على ترشيح خيرت الشاطر ثم محمد مرسي في خطوة فاجأت الكثيرين. كذلك، لم ينجح الإسلاميون –إخوان وسلفيون– في الاتفاق على مرشح واحد يجمعهم، فانفرد الإخوان بمرسي، انقسم السلفيون بين أبي الفتوح وحازم أبو إسماعيل. وأخيرًا، فشلت القوى المدنية و/أو الثورية في التوافق على مرشح واحد، فتنافس حمدين صباحي مع أبي الفتوح مع خالد علي.

وعلى جانب آخر، ظهر جليًا أن المشكل في انتخابات الرئاسة أنها أتت في لحظة كانت الجماهير فيها قد أُنهكت إنهاكًا بعد عام ونصف من صراع الشوارع دون أن تقدم الثورة شيئًا ملموسًا للكادحين والمهمشين والحرافيش. بل على العكس، كانت روح العداء للثورة قد تفشت بين قطاعات معتبرة من الحرافيش وفقراء المدن والريف على خلفية احتدام الأزمة السياسية والفقر والبطالة.

وهكذا، فإذا نظرنا للثورة، كما شرحنا من قبل، كصراع على الإزاحة بين ديمقراطية الشارع وديمقراطية الصندوق، فإن لحظة انتخابات الرئاسة أتت على خلفية الإنهاك المتزايد لديمقراطية الشارع. ومن ثم فقد اعتبرت قطاعات جماهيرية واسعة يائسة من ديمقراطية الشارع أن الصندوق هذه المرة هو "الأمل الأخير" في الخروج من عنق الزجاجة الذي لا يبدو بلا نهاية.

في جولة الانتخابات الأولى سقطت الوسطية؛ سقط عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح اللذان كان غالبية المراقبين يتوقعون أنهما فرسا الرهان الأكثر قربًا إلى الفوز. بالطبع كان هذا يعكس الانقسام الحاد في الشارع المصري. لكنه كذلك كان يعكس فكرة "الأمل الأخير" الذي دفع غالبية الناخبين إلى خيارات أكثر وضوحًا وأقل توازنية علها تقدم حلًا حاسمًا لأزمة بلا أفق.

وكانت النتيجة هي صدمة جولة الإعادة. حيث تنافس مرشحان أبعد ما يكونا عن الثورة، محمد مرسي وأحمد شفيق، على المقعد في معركة ساهمت في تيئيس قطاعات أوسع من الجماهير من ديمقراطية الصندوق بعد أن كان طريق ديمقراطية الشارع قد بدا لها عبثي وغير منتج.

(6)

ظن البعض أن فوز مرسي بالرئاسة –خاصة بعد إعلانه الدستوري في آب/أغسطس 2012 الذي أقصى رموز المجلس العسكري بلا مقاومة– ينهي القصة المضطربة للفترة الانتقالية. فها هو الرجل، ومن ورائه جماعة الإخوان المسلمين، قد نجح في الإمساك بالسلطة وإزاحة منافسيه. فماذا تبقى إذن؟ يمكننا الآن، وبعد أن حدث كل ما حدث، أن نقول بثقة أن هذه كانت قراءة مبتسرة ومتعجلة.

الاستقرار له وجهان يغذيان بعضهما البعض وينتجان بعضها البعض: تماسك السلطة وخضوع الخاضعين. كيف يمكن أن يحدث تماسك السلطة؟ من خلال تحقيقها لآمال الخاضعين الثائرين الذي فرضوا نفسهم فرضًا على المشهد؟ ربما. من خلال استخدامها لـ أو اتحادها مع حركات فاشية أو شبه فاشية تمارس قمعًا استثنائيًا لاجتثاث بذور الرفض والتمرد؟ ربما. من خلال اصطفاف القوى الطبقية المالكة والمتحكمة –ممثلة في الطبقة السياسية النخبوية– وراء بديل واحد؟ ربما. أو ربما الأمر هو مزيج مركب من هذا كله، تمامًا كما فعل كل الحكام السلطويين الناجحين الذين مزجوا القمع، بالعطايا، بتوحيد مؤسسات القهر وراءهم.

لا شيء من هذا حدث في مصر حتى الآن. ومن غير المنتظر أن يحدث في الأجل المنظور.

فلننظر إلى "تحقيق آمال الجماهير". هل فعل مرسي هذا؟ هل في مقدوره أن يفعل؟ بالطبع لا.

جماعة الإخوان المسلمين تنتمي إلى عالم الليبرالية الجديدة القبيح بكل كيانها. فبتركيبة قياداتها من حسن مالك إلى خيرت الشاطر، وبتاريخها الإصلاحي الانتهازي، وبنزوعها إلى التصالح مع العالم القديم الذي تنتمي إليه، تسعى الجماعة إلى حل الأزمة الاقتصادية-الاجتماعية من خلال المزيد من الليبرالية الجديدة: تقشف الميزانية، رفع الأسعار، تقليص الدعم، المصالحة مع رجال الأعمال، الاتفاق مع المؤسسات النقدية والمالية للإمبريالية كصندوق النقد الدولي، إلخ. هذه صيغة لإفقار الفقراء وإثراء الأثرياء. فمن له أن يتوقع أن صيغة كتلك ستؤدي إلى تسكين الحركة الاجتماعية والعمالية من أسفل؟ من له أن يتخيل أنها صيغة لعقد اجتماعي جديد ينهي الاحتقان ويفتح صفحة جديدة بيضاء من غير سوء؟

أما من ناحية القمع واسع النطاق، فرغم وحشية الشرطة، رغم قتلى الشهور الأخيرة، رغم مسحولي الشوارع والأقسام، فإن مستوى القمع القائم لا يرقى إلى حد تصفية الحركة أو إيقاف الاضطراب المتزايد. بالطبع مرسي يستعير كل أدوات مبارك القمعية. لكن من قال أن مبارك وأساليبه يصلحون اليوم؟ في مراحل انهيار مؤسسات سلطة حاكمة تحت وطأة ثورة، فإن استعادة الضبط والربط تتطلب ما هو أكثر كثيرا من تفعيل جهاز محترف للقمع. هذا بالضبط هو تفسير احتياج الطبقات الحاكمة إلى الفاشية، جماهيرية كانت أو عسكرية، لانهاء اضطراب السلطة الذي يعقب الثورات أو الانتفاضات الكبرى.

هل يمكن لمرسي وجماعته أن يصبحوا هم أنفسهم جهازًا فاشيًا صريحًا؟ بالقطع لا. فهذا يتطلب تغييرًا جوهريًا، غير مطروح وغير ممكن، في رؤية وطبيعة وقوام عضوية الجماعة.

من ناحية أخرى، هل يمكن للسلطة الراهنة أو المحتملة أن تتحالف مع حركات فاشية أو شبه فاشية لإنجاز مهمة اجتثاث قوى الثورة والرفض. لا أظن. فهذا يتطلب توافقًا واسعًا داخل أروقة السلطة والحكم والدولة القديمة، توافقًا تكشف عن فشله الصراعات والمماحكات الدائرة التي لا تنتهي: بين الإخوان والعسكر، بين الإخوان والسلفيين، بين الإخوان والقوى اليمينية المدنية.

هنا بالضبط يبرز الوجه الآخر للعملة: تماسك القوى السلطوية، والطبقة المسيطرة بعامة. فقد أظهر إعلان 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 الدستوري، وما تلاه من صراعات على كل المستويات، مدى هشاشة لحظة الاستقرار القصيرة التي مرت بين أغسطس ونوفمبر من نفس العام.

فبعد أن كانت المعارضة المدنية –بيمينها وليبرالييها وقومييها، بفلولها وثورييها– قد حققت موقعًا متقدمًا في انتخابات الرئاسة رغم فوز محمد مرسي بالمنصب، أعادت تلك القوى تأسيس نفسها بعد الانتخابات سياسيًا في صورة أحزاب جديدة: من الدستور، إلى التيار الشعبي، إلى مصر القوية، إلى المؤتمر. وقد سمح انفجار 22 تشرين الثاني/نوفمبر باختبار تلك القوى الجديدة، فظهرت قادرة على التعبئة الواسعة في نطاق خليط من الطبقة الوسطى العليا والدنيا والحرافيش المتذمرين. فرغم عدم قدرة تلك القوى على إزاحة الإخوان والسلفيين من السلطة –ورغم يمينية تحالفها المتمثل في جبهة الإنقاذ– إلا أن ما استطاعت إثباته هو قدرتها على خلخلة السيطرة الإخوانية وفرض نفسها كطرف في المعادلة.

هنا يبرز المشهد الكلاسيكي للتفكك الممتد في مراحل ما بعد الثورات ذات العمق الجماهيري الاجتماعي. إذ يسيطر على المجال السياسي قوى، لا تنتمي في أغلبها إلى الثورة، تتنافس بضرواة على مواقع نفوذ في تركة مؤسسية بالية على خلفية اضطراب اجتماعي متجذر ومتواصل. وبينما يستمر التنافس، تتزايد الأصوات السلطوية علوا مطالبة بـ"إيقاف المهزلة" و"الحكم بيد من حديد". لكن لا أحد قادر على القيام بالمهمة! هذه هي مفارقة الطبقات الحاكمة المصرية ومأساتها في آن. وهي مفارقة، أظن، أنه من المقدر لها أن تستمر إلى أمد ليس بالقصير، بغض النظر عن المغامرات والانعطافات الهامشية.

ويزيد من تعقيد الموقف أن مسار جبهة الإنقاذ "حرق" المعارضة الليبرالية واليسارية التقليدية بالمعنى الحرفي للكلمة. فبعد أن رفعت تلك المعارضة شعارات قصوية متمثلة في الإسقاط الفوري لمرسي ودستوره ومساره السياسي برمته، وبعد أن تحالفت مع الفلول وأقصى اليمين الليبرالي الجديد، رجعت وفتحت منافذ للتواصل مع سلطة مرسي ومساره السياسي من خلال المشاركة في الاستفتاء على الدستور وبحث إمكانيات حكومة إنقاذ وطني.

هذا كله كان يحدث في إطار غياب قوة ثورية متماسكة تعارض هذا التوجه للمعارضة وتنشئ مسارًا بديلًا لمرسي ومعارضته اليمينية. وهو ما أفقد الحركة الجماهيرية الجذرية قيادة سياسية كانت في أشد الحاجة إليها في لحظة اضطراب وبوادر يأس عميقين.

(7)

بعد هذا كله، يطرح السؤال نفسه: وماذا تبقى من الثورة؟ إجابتي هي: الكثير، والكثير جدا، لمن لا يرى.

يعلمنا التاريخ أن أوضاع كتلك التي تعيشها مصر، برغم السوداوية الظاهرة، مفتوحة على ثلاثة احتمالات: الاحتمال الأول هو صعود فاشية/شبه فاشية/دولة أمنية، شعبية أو عسكرية أو أمنية، قادرة على حسم الموقف ولو جزئيا (هتلر، موسوليني، أو حتى بوتين)، وفي هذه الحالة فإن تحالف السلطة لن تتغير عناصره في الأغلب؛ ما سيتغير هو التوازن وتوزيع الأدوار بين تل العناصر. الاحتمال الثاني هو استمرار حالة الاضطراب لآماد طويلة نسبيًا وهو ما نراه في باكستان وما رأيناه قبلها في ألمانيا أيام جمهورية فايمار. أما الاحتمال الثالث فهو انتفاض ثوري جديد، وهو ما أظن أنه الاحتمال الأقرب للصحة، حتى لو مررنا بلحظة فاشية عبثية مؤقتة.

حجتي هنا ليست تفاؤل ثوري طفولي لا أساس له. حجتي أن مصر ليست وحدها في العالم، وأن الصراع السياسي ليس مقطوع الصلة بجذوره البنيوية الاقتصادية-الاجتماعية. فنحن نعيش لحظة أزمة ممتدة وعميقة لمنظومة الليبرالية الجديدة التي فرضت نفسها مع مطلع ثمانينيات القرن العشرين، نحن نعيش لحظة لا يمكن للرأسمالية أن تدخل في انتعاش كبير جديد كان الأساس لاستقرار النظام طوال ثلاثين عاما من الأربعينيات إلى السبعينيات.

مصر المضطربة اليوم، مصر التي لا تعرف كيف تنهي انتقالها الديمقراطي، هي مصر التي تستعد لموجة ثورية جديدة. فلا الجماهير هُزمت، ولا الأزمة تم حلها، ولا السلطة قادرة على التسلط، فقط عجلة مفرغة لن تتوقف عن الدوران إلا مع هجوم ثوري جديد ربما يأتي غدا أو بعد أعوام.

(1) نُشر هذا التحليل على موقع مبادرة الإصلاح العربي في 28 مارس 2013.